الإنسان صديق ما يألف

وفقًا لأحد علماء الجريمة المشهورين، حين يتعرّض النّاس للجريمة لأوّل مرّة، يبغضونها. إذا تعرّضوا لها لوقت طويل بما يكفي، ينتهي بهم الأمر إلى الاحتفاء بها، والتأثّر بها.

إنّ المُدخلات التي تدخل إلى عقلك بشكل متكرّر تغيّر في معتقداتك دون أن تشعر. تخيّل أنّ كلّ فكرة تتعرّض لها هي بذرة تُزرع في تربة عقلك الباطن. وكلّما تكرّر تعرّضك لهذه الفكرة، كأنّما تروي هذه البذرة، فتنمو وتزدهر. وفي تلك الأثناء، تذبل الفكرة الأصليّة التي كانت موجودة بدلًا من هذه الفكرة الجديدة وتضعف؛ لأنّ الماء لم يعد يصل إليها.

هذا يفسّر لك حين تنتبه فجأةً لتجد أنّ معتقداتك قد تغيّرت في أمور معيّنة كنت تراها لا تصلح ثمّ ألِفتها وألفتَ وجودها حولك. وكذلك يفسّر لك الأشياء التي كنت معتادًا عليها ثمّ توقّفت عنها ولم تنتبه إلّا بعد وقت طويل. تفكّر متعجّبًا: من أنا؟ متّى تغيّرت؟

الحقّ أنّك كسفينة ضخمة، تتغيّر منها لبنة واحدة كلّ يوم، فلا تشعر بالتغيير إلّا بعد أن تجد أكثر اللبنات القديمة قد اختفت وحلّت محلّها اللبنات الجديدة.

فاحذر ما تألفه.

ولا تقع في الفخّ الشهير الذي يقع فيه الكثيرون حين يصعّبون الأمر على أنفسهم فيقولون لا نستطيع تغيير البلد الذي نعيش فيه، ولا نستطيع تغيير بيئة العمل لأنّنا نحتاج إلى العمل، ولا نستطيع تغيير الأسرة التي نعيش معها لأنّنا لا يمكن أن نتبرّأ من أهلنا. كلّ ذلك غير ضروريّ. نعم، قد يساعدك السفر إلى بلد جديد لا يعرفك فيه أحد والبداية من صفحة بيضاء، لكن لو لم يتوفّر ذلك لك بسهولة -كما هو الحال عند أكثرنا- فهناك خطوات أبسط وفعّاليّتها أكيدة لتحسين بيئتك، والتحكّم في المُدخلات التي تنفذ إلى عقلك.

احذر ما تألفُ قراءته على الإنترنت. واحذر ما يتسرّب إليك على صفحتك على فيسبوك وإنستجرام وتويتر وغيرها. ألغِ متابعتك لكلّ الصفحات والأشخاص الذين لا تفيدك متابعتهم بشيء. ألغ متابعتك لكلّ من حين تقرأ كلامَه تنزعج، وتتأفّف وتستغرب. تابع صفحات مفيدة، وأناسًا منتجين، وأشخاصًا ناجحين. اقرأ ما يكتبون.

يمكنك بناء صورة في خيالك لعالمٍ غير موجود في الحقيقة بعد، ولكنّه عالم تحبّ أن تعيش فيه. جيرانك في هذا العالم هم الأشخاص الذين تطمح أن تكون مثلهم يومًا ما. تتكلّم إليهم، وتسمع نصائحهم، وتستشيرهم في أهدافك ومشروعاتك. ونفذ هذه النصائح في عالمك الواقعيّ. أنت لست سخيفًا ولا غبيًا. أنت تعرف أنّ عقلك الباطن لا يستطيع التمييز بين الخيال والحقيقة. وأنّ الخيال بذرة تُروَ بالتكرار.

حكى لنا فيكتور فرانكل في كتابه القصير البديع، الإنسان يبحث عن المعنى، كيف أنّ خيالَه أنقذه من ظلمات السجن في مخيّمات التعذيب النازيّة. كيف تخيّل حياته بعد الخروج من السجن، وهو يحاضر في الكلّيّة، ويعلّم طلّابه عن الإرادة، وعن المعنى، وعن الحياة.

ليس هذا كذبًا ولا خداعًا ولا تزييفًا، ولكنّه حمايةً ووقايةً وصيانةً لأفكارك ومعتقداتك ومبادئك.

إنّه هروب أخير من مستنقع لا تملك الخروج منه إلّا بالخيال.

إذا انتبهت لما تقرأ على الإنترنت وما تشاهد وما تسمع، وإذا انتبهت لأفكارك وخيالك وما يتردّد على ذهنك بشكل يوميّ، ستجد أنّ حياتك الحالية لا تعكس إلّا ذلك. وعندها ستعرف أنّ تغيير هذه الأشياء البسيطة، هي سبيل التغيير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s