على مَن تقيس نفسك؟

في دراسات أُجريَتْ على أبطال الألعاب الأولمبية، وعن طريق قياس تعبيرات وجه الأبطال، وجدوا أنّ وجوه من فازوا بالميدالية الذهبية تعبّر -طبعًا- عن السعادة. ووجوه من فازوا بالميدالية البرونزيّة، تعبّر -كذلك- عن السعادة بنسبة ٧١٪؜، وهي نسبة عالية. ولكن كانت المفاجأة في تعبيرات مَن فازوا بالميدالية الفضّيّة، والتي كانت تشير إلى مشاعر الغضب، والحزن، والاستياء! وكان مؤشّرُ السعادة لهؤلاء لا يتعدّى ٤٨٪؜. أمرٌ عجيب!

كيف ينظرُ رياضيٌّ ناشئ إلى البطل الفائز بالميدالية الفضّيّة في رأيك؟ بالطبع، بكلّ إعجاب وانبهار! هذا البطل قد أثبت لتوّه أنّه أحد أفضل اللاعبين على الإطلاق، وفاز بما يبدو كحُلم بعيد المنال لمثل هذا الرياضيِّ النّاشئ الذي يتابعه على شاشة التلفاز.

إلّا أنّه يشعرُ، في قرارة نفسِه، أنّه خسر! لم يحصل على الذهب. لم يكُن الأوّل، مع أنّه كان قريبًا جدًا من الفوز. ويتخيّل الخطأ البسيط الذي قام به ويتخيّل أنّه كان باستطاعته التفوّق على منافسه لو كان فعل كذا أو كذا، ويتحسّرُ على حُلمٍ ضائع.

ثاني أفضل لاعب في العالَم، وثاني أعلى ميدالية في العالَم، تفّوق على كلّ اللاعبين الآخرين، عدا واحد، ولكنّه محبط ومستاء وغاضب؛ ليس في عينيه إلّا الرقم ١.

ربّما تكون قد أدركتَ أنّني لم أكتب لأحكي لك عن الألعاب الأولمبية، ولا عن الرياضة. أليس هذا ما نفعله جميعًا كلّ يوم؟ نقارنُ أنفسنا فقط بمن تفوّقوا علينا، وننظر لأنفسنا بعين الازدراء والخسارة، حتّى لو كنّا متفوّقين أصلًا.

ننظر لفلانة التي ترتدي فستانًا أفضل من فستاني، أو لفلان الذي يملك سيّارةً أفضل من سيّارتي، أو لبيت فلان الأوسع من بيتي، أو لخاتم فلانة الأكبر من خاتمي وأقيَم… إلخ. وننسى أنّ لدينا بيتًا، وهناك الملايين من المشرّدين. وننسى أنّ لدينا سيّارةً، وهناك عشرات الملايين لا يملكون حتى دراجة هوائيّة. وننسى أنّ لدينا ما يكفينا ويسترنا من ملابس صيفًا وشتاءً، وهناك آخرون لا يقيهم شيئًا من برد الشتاء.

نقارنُ أنفسنا، ليس فقط بالقريبين منّا ونغفل عن بقيّة العالَم، بل بمَن هم أفضل منّا من بين هؤلاء المقرّبين.

ولكن، ماذا عن صاحب الميدالية البرونزية، لماذا يبدو سعيدًا؟ لأنّه يشعر أنّه كان على بعد خطوة واحدة من ألّا يفوز بشيء على الإطلاق. لأنّه حتّى لو كان عدّل من أدائه شيئًا ما، لما فاز بالمركز الأول، ولكنّه لو أخطأ خطأً واحدًا إضافيًا، لما ظهر أصلًا في القائمة.

فانظر لنفسك. ما هي النقطة التي ترجع إليها حين تقرّر أنّك “تحتاج” سيّارةً جديدة، أو بيتًا جديدًا، أو قميصًا جديدًا؟ هل هو ذلك الشخص الوحيد من بين مَن تعرفهم الذي اشترى لتوّه سيّارةً جديدةً أو أعاد ترميم بيته أو اشترى قميصًا جديدًا؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s