لن تستطيع تغيير العقول

الآراء التي يعتنقها الإنسان ليست وليدة اللحظة التي تتبلور فيها من خلال الكلمات. ولكنّها تكرار لعمليات شديدة التركيب ومعتقدات متداخلة ومُدخلات كثيرة من مصادر لا يبدو بينها أيّ اتّصال. أسهمت هذه العمليّات في تكوين ذلك الرأي.

ولذلك، لا يمكنك في جلسة واحدة أن تغيّر قناعات الشخص الذي تناقشه. لا يمكنك أن تفعل ذلك أبدًا ما لم تقوموا بإعادة بناء هذه التجارب والمعطيات وتفكيكها وتحليلها ثمّ إعادة ترتيبها بشكل جديد. لن يتمّ ذلك إلّا في مناقشات عديدة طويلة ومتكرّرة. نزور فيها نفس النقاط من زوايا مختلفة، ونعبّر عنها بكلمات مختلفة، مرّةً بعد مرّة.

أظنّ أنّه لهذا السبب لا يستطيع الطبيب النفسيّ مثلًا معرفة مشكلة الزوّار من الجلسة الأولى. ومن المشهور أنّ الطبيب والزائر قد يستغرقا شهورًا حتّى يبدأ ما يمكنك تسميته بـ”التواصل الحقيقي” بينهما. في هذه الشهور، تجري عمليات التفكيك للآراء المتشابكة جدًا حتّى يفهم الطبيبُ المشكلة التي يعاني منها الزّائر وما هو منشأها لديه. ثمّ يبدآن رحلةً جديدة من إعادة ترتيب هذه المُعطيات السابقة ودمجها بمعطيات جديدة تلزمُهما لتغيير النتائج.

تغيير رأي شخص ما هو صناعة ثقيلة تحتاج إلى الصبر وطول الحديث والإنصات الجيّد والحِكمة حين النطق بالكلام. لن تستطيع تغيير رأي أحد من دون أن تملك هذه المهارات، بالإضافة إلى فرصة الوقت والثقة المتبادلة. فإن لم تكن تستطيع ذلك، فلا تحاول من الأساس. قدّم النصح كما تراه، ثمّ دعه يفعل ما يشاء.

مع مراعاة أنّك قد تكون مخطئًا. وقد يكون الرأي الآخر هو الأصوب. ومع مراعاة أيضًا (في حالة أنّك أنت الذي على الحقّ) قوله تعالى: إنّك لا تهدي من أحببت، ولكنّ الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين. (القصص: ٥٦)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *